الغزالي
14
إحياء علوم الدين
حواسّه حجاب مرسل بينه وبين مطالعة اللوح الذي هو من عالم الملكوت . فإن هبت ريح حركت هذا الحجاب ورفعته ، تلألأ في مرآة القلب شيء من عالم الملكوت كالبرق الخاطف ، وقد يثبت ويدوم ، وقد لا يدوم وهو الغالب . وما دام متيقظا فهو مشغول بما تورده الحواس عليه من عالم الملك والشهادة ، وهو حجاب عن عالم الملكوت . ومعنى النوم أن تركد الحواس عليه فلا تورده على القلب فإذا تخلص منه ومن الخيال ، وكان صافيا في جوهره ، ارتفع الحجاب بينه وبين اللوح المحفوظ ، فوقع في قلبه شيء مما في اللوح ، كما تقع الصورة من مرآة في مرآة أخرى إذا ارتفع الحجاب بينهما . إلا أن النوم مانع سائر الحواس عن العمل ، وليس مانعا للخيال عن عمله وعن تحركه فما يقع في القلب يبتدره الخيال فيحاكيه بمثال يقاربه ، وتكون المتخيلات أثبت في الحفظ من غيرها ، فيبقى الخيال في الحفظ ، فإذا انتبه لم يتذكر إلا الخيال ، فيحتاج المعبر أن ينظر إلى هذا الخيال حكاية أي معنى من المعاني ، فيرجع إلى المعاني بالمناسبة التي بين المتخيل والمعاني وأمثلة ذلك ظاهرة عند من نظر في علم التعبير ، ويكفيك مثال واحد ، وهو أن رجلا قال لابن سيرين : رأيت كأن بيدي خاتما أختم به أفواه الرجال وفروج النساء . فقال أنت مؤذن تؤذن قبل الصبح في رمضان . قال صدقت . فانظر أن روح الختم هو المنع ، ولأجله يراد الختم ، وإنما ينكشف للقلب حال الشخص من اللوح المحفوظ كما هو عليه ، وهو كونه مانعا للناس من الأكل والشرب ، ولكن الخيال ألف المنع عند الختم بالخاتم ، فتمثله بالصورة الخيالية التي تتضمن روح المعنى ، ولا يبقى في الحفظ إلا الصورة الخيالية فهذه نبذة يسيرة من بحر علم الرؤيا الذي لا تنحصر عجائبه ، وكيف لا وهو أخو الموت ، وإنما الموت هو عجب من العجائب ، وهذا لأنه يشبهه من وجه ضعيف أثر في كشف الغطاء عن عالم الغيب ، حتى صار النائم يعرف ما سيكون في المستقبل . فما ذا ترى في الموت الذي يخرق الحجاب ، ويكشف الغطاء بالكلية ، حتى يرى الإنسان عند انقطاع النفس من غير تأخير نفسه إما محفوفة بالأنكال والمخازي والفضائح ، نعوذ باللَّه من ذلك ، وإما مكنوفا بنعيم مقيم وملك كبير لا آخر له ، وعند هذا يقال للأشقياء وقد انكشف الغطاء * ( لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ من هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ) * « 1 » ويقال
--> « 1 » ق : 22